قصتي مع وسواس الإيدز بعد أن دمّرني

نشارككم في موقع طب وحياة ، تجارب القراء النافعة.

وصلتنا هذه المشاركة من أحد القراء.

زلة عمر

سأحكي لكم قصتي بكل صراحة وبدون أي خجل  ، أملاً أن تساهم تجربتي المريرة مع وسواس الايدز (الخوف من الإصابة بالايدز) في حل العديد من المشكلات التي أعلم أن البعض يعيشها الآن.

بدأت قصتي قبل 3 سنوات ، وتحديداً في أحد أيام فراغي عندما دخلت معهداً للمساج ،  وكان هدفي هو الحصول على المساج فقط والاسترخاء ، وربما شيئا من التسلية. ولكن بدأت الأمور تأخذ منحنى آخر مع الشاب الذي كان يقدم لي خدمات المساج، وهو من جنسية آسيوية ، أشبه ما يكون بفتاة. تطور الأمر سريعاً ، وانتهت الجلسة بجنس فموي وقذف.

 شعرت بمرارة وحرقة بعد هذه العلاقة ، رجعت إلى المنزل وأنا أشعر بندم من ناحيتين: أنها المرة الأولى التي أمارس فيها علاقة خارج إطار الزواج ، والآمر الآخر أنها علاقة مثلية مع شاب ، ولم أكن أتصور أني سأكون “شاذاً” في يوم من الأيام.

هل بدأت الأعراض الايدز؟

بعد 3 أيام  من هذه العلاقة ، بدأت أشعر بحرقة خفيفة بطرف العضو الذكري (القضيب) ، وبدأ يرتابني الخوف. فأخذت أقرأ عبر مواقع الانترنت العربية ، وأحيانا الأجنبية ، مع أني لا أجيد اللغة الإنجليزية ، ولكني أنسخ الفقرات وأترجمها في موقع جوجل على أمل الوصول إلى معلومة تقلل من هاجس التفكير.

لم تكن الإجابات وافية بالنسبة لي ، ولم يكد ينتهي الأسبوع إلا وظهرت أعراض جديدة ، فلساني كان لونه أبيض عند النظر بالمرآة ، وأشعر أن هناك بقع حمراء على الجلد.

أصابني قلق وتوتر شديد ، بدأت أنفر من أي علاقة اجتماعية ، لا أريد الجلوس مع أحد حتى مع زوجتي وأبنائي. ولا أخفيكم أني لم أكن حينها أبالي بالإصابة بأي مرض كان ، حتى بالكبد الوبائي أو بالسرطان ، إلا مرض الايدز. فكان كل همي وخوفي أن أكون قد أصبت بفيروس نقص المناعة (الايدز) ، فنحن نعيش في مجتمع لايرحم.

رحلة التحاليل

لم يمض إلا أسبوعين حتى بدأت رحلتي مع التحاليل الطبية ، وكان أولها فحص PCR الذي أجريته في أحد المختبرات الخاصة ، وطلب مني الانتظار لمدة أسبوع حتى تظهر النتيجة. أستطيع أن أصف هذا الأسبوع أنه أطول أسبوع مر علي بحياتي ، عشت كل لحظاته وساعاته. النوم متقطع ، شهية الأكل معدومة ، المزاج متعكر، الأعراض الجسدية أشعر أنها بازدياد. أخذت إجازة من العمل ، لأني لم أعد أطيق أن أجلس مع أحد.

صبيحة الأثنين

وفي صبيحة يوم الإثنين ، كان الخبر السار: استملت نتيجة الفحص وكانت سليمة ، اختلطت مشاعري وأنا أتحدث إلى موظف المختبر ، بدأت تنهال دموع الفرح ومعها كلمات متقطعة محاولاً التثبت من النتيجة. أكد لي أن النتيجة سليمة وأني غير مصاب. فأخرجت مبلغاً من المال كان في جيبي ، وأعطيته له على تلك البشارة الجميلة لكنه رفض استلامه.

توجهت إلى أقرب محل، واشتريت هدايا لأبنائي وسواراً لزوجتي تعويضاً لهم على تقصيري بحقهم .. وعلى خيانتي لهم.

كنت أظن أن الأمر قد انتهى عند هذه الحد ، ولكن الفرحة لم تدم إلا إلى منتصف الليل ، عندما بدأت الوساوس مرة أخرى ، استيقظت من سريري ، وأخذت أبحث بالانترنت عن أنواع فحص الايدز ودقتها ، وأعراض الإصابة ، وللأسف … عدت من حيث بدأت.

استمرار المعاناة

ظلت الأعراض موجودة ، بل ازدادت سوءا ، أستيقظ من النوم عدة مرات ، أتمنى أن يكون حلماً ، انعدمت شهية الأكل ، بدأت أفقد وزني بوضوح ، شكلي شاحب ، الكل بدأ يلاحظ التغيير علي ، كنت أفسر ذلك للجميع بأني أتبع نظاماً غذائياً لتخفيف الوزن.

لا يكاد يمر علي أسبوع دون زيارة الطبيب ، أجريت عشرات الفحوصات الطبية ، كل ما قد يخطر على بالك من فحوصات فيروس نقص المناعة ، أجريتها بل وكررتها عدة مرات ، الفحوصات السريعة  ، الفحوصات العادية ، الفحوصات الدقيقة ، وفي كل مرة تأتي النتيجة سليمة.

أشعر أن المرض موجود ، عندي شعور أن هناك خطأ بنتيجة الفحص ولكن جميع النتائج سليمة.

تعطيني هذه النتائج السليمة شعوراً مؤقتاً بالراحة ، ولكن ما يلبث هذا الشعور أن يختفي مع اختفاء أثر سحب الدم.

لا أحد يفهمني

بعد مرور 6 شهور ، بدأت المراكز الحكومية ترفض استقبالي ، وترفض إعادة فحص فيروس نقص المناعة لي ، بل تقترح علي بكل وقاحة مراجعة الطبيب النفسي.

قررت أن أجعل متابعاتي في العيادات الخاصة.

دفعت مبالغ خيالية على الاستشارات الطبية ، وفحوصات PCR الدقيقة وفحوصات الفيروس الروتينية. أكثر من ثلث راتبي الشهري صار يذهب للمتابعات الطبية والفحوصات. راجعت أطباء الجلدية ، والمسالك البولية ، والباطنية ، والجهاز الهضمي وقسم الطوارئ، وكل طبيب يطلب المزيد والمزيد من الفحوصات.

أنا لا أكذب ، لازلت أشعر بأعراض جسدية ، نفس الأعراض المذكور أنها تصيب مرضى الايدز ، متأكد من ذلك ، لا أدري لماذا تأتي نتائج الفحص سليمة ، ربما لا زلت في المراحل المبكرة للإصابة ، وقد تظهر النتيجة موجبة لاحقاً ، ربما هناك خطأ في الفحص.

وبعد 9 شهور ..

قرأت عن أحد الأطباء المتخصصين بعلاج مرضى الايدز ، وقررت أن أحجز موعد استشارة عنده لعله يفهم معاناتي،  وأشرح له أعراضي التي لازلت تأتي بين فترة وأخرى ، وكان قد مضى عليها حتى الآن ٩ شهور.

الحوار مع الدكتور:

في الزيارة الأولى اطلع الدكتور المتخصص بالايدز على  الفحوصات القديمة التي أجريتها ، وشرحت له الأعراض التي اشتكي منها ، وقام بفحصي سريعاً على السرير بعد أن طلب من الممرضة أن تنتظر في الخارج.

شعرت أن لغة الحوار كانت أسهل لمعرفته أنواع الفحوصات التي أتحدث عنها ، فأنا بلغت مرحلة من الاطلاع جعلت معرفتي بفحوصات الايدز تفوق معرفة معظم الأطباء الذين قابلتهم.

دار بيننا هذا الحوار:

الطبيب: أنت سليم ، ولن نقوم بإعادة الفحص لك.

أنا: لكني لازلت أشعر بالأعراض

الطبيب: قد تكون الأعراض بسبب أي مرض آخر ، إلا الايدز. يستحيل أن تكون ايدز.

أنا: أحملك المسؤولية يا دكتور إن ثبت لاحقا أني مصاب بالإيدز ، وانتقل المرض إلى زوجتي وعائلتي؟

الطبيب:  نعم أتحمل المسؤولية كاملة عن كلامي

أنا: حسناً ، أريد أن أجري فحص الايدز في المختبر على نفقتي الخاصة.

الطبيب: أعتذر عن متابعة وضعك الصحي إن أجريت الفحص

أنا: ما السبب؟

الطبيب: إعادة الفحص هي صب للزيت على النار. تعطي شعوراً مؤقتاً بالراحة ، لكنها في الحقيقة تعمق المشكلة ، وتجعلك تعيش في وسواس المرض.

أنا:  إذا كيف تقول أنك ستتابع وضعي الصحي؟

الطبيب: هل تشعر بالراحة بعد التحدث إلى الطبيب وطمأنتك بأنك سليم؟  

أنا: نعم ، أشعر براحة حينها ، ولكن يعود الوسواس بعد ذلك

الطبيب: تعاهدني ألا تزور أي طبيب آخر أثناء فترة العلاج التي سأحددها لك؟

أنا: نعم ، أعاهدك.

الطبيب: إذا نلتقي بعد أسبوع للمتابعة.

الزيارة الثانية:

مر أسبوع على الزيارة الأولى ، شعرت في الزيارة الثانية أن هناك ثقة أكبر ، وأن الطبيب لم يكن يسعى للتخلص مني.

الطبيب: كيف تشعر الآن؟

أنا: نفس الأعراض ونفس الوسواس. شعرت بتحسن بسيط بعد أن تحدثت معك الأسبوع الماضي ثم عادت الأمور.

الطبيب: كم مضى منذ أن بدأت الأعراض؟

أنا: قريب من سنة كاملة

الطبيب: كم مرة يعيش الإنسان؟ كم سنة ستعيش؟ 70 سنة 80 سنة ؟

هل أضعت سنة كاملة من عمرك على أوهام؟

أنا: (لم أستطع الرد)

الطبيب: كم أنفقت من أموال؟

أنا: والله الآلاف حتى الآن.

الطبيب: ألست أنت أولى بهذه الأموال؟ ألم تكن عائلتك وأبناؤك أولى بهذه الأموال؟

أنا: ليس بيدي ، أتمنى أن أجد حل.

الطبيب: هذا الوسواس سينتهي عاجلا أم آجلا ، بدون شك سينتهي ، هذا هو حال جميع من سبقوك ، وأنت صاحب القرار ، إما أن تنهيه الآن أو تتركه يضيع المزيد من أموالك وسنوات عمرك.

أنا: ساعدني يا دكتور أن أتوقف عن التفكير

الطبيب: هل لا زلت عند عهدك ألا تزور أي طبيب آخر خلال فترة العلاج؟

أنا: نعم

الطبيب:  سأحدد لك موعداً آخر لمتابعة أي أعراض تظهر عندك ولكن بشرط ..

أنا: ماهو الشرط؟

الطبيب:  كلما احتجت أن تحدد موعد زيارة في عيادتي لشرح الأعراض ، فيجب أن تطبق بعض الأمور أولاً ، لمدة 3 أيام ثم تأتي إلى العيادة. موافق؟

أنا: موافق ، ماهي تلك الأمور؟

الطبيب: أريد أن تذكر لي بالتفصيل ماهي الأمور التي تفتح باب التفكير والقلق عندك ؟

أنا: يأتي القلق والوسواس عندما ابحث في الانترنت ، أو عندما أكون جالساً لوحدي ، أو عند التفكير في مشكلة اجتماعية حصلت سابقاً بيني وبين أحد الأقارب.

الطبيب: أحسنت ، وماهي الأمور التي تظن أنها تخفف من شعور القلق عندك؟

أنا: قراءة القرآن والقصص  ، أخذ حمام ماء دافيء (شاور) ، أو ممارسة رياضة الجري.

الطبيب: إذا هذا هو الاتفاق ، كلما حجزت موعداً بعيادتي ، يجب أن تطبق هذا البرنامج لمدة 3 أيام كاملة قبل مراجعتي في العيادة ، بمعنى 3 أيام بدون انترنت ، 3 أيام تجلس معظم الوقت مع الناس ولا تجلس وحيداً ، 3 أيام تمارس فيها جميع الأمور التي تشعرك بالراحة كقراءة القرآن والرياضة وغيرها. ثم في اليوم الرابع تأتي إلى العيادة.

أنا: موافق

وكانت هذه النتيجة:

بعد عدة أسابيع من تلك الزيارة ، ظهرت تشققات في شفتي ، انتابني خوف أن تكون من الايدز ، فاتصلت وحددت موعداً مع طبيبي ، وقبل الموعد بثلاثة أيام بدأت بتطبيق البرنامج الذي قدمه لي. لم أدخل الانترنت بتاتاً لمدة 3 أيام، لم أجلس وحيداً ، وكان وقتي كله إما في العمل أو مع أصدقائي وعائلتي ، ومارست الأمور التي تشعرني بالراحة.  وفي يوم المتابعة كنت أشعر بالفعل بتحسن ، فاتصلت على المستشفى وطلبت تأجيل الموعد.

ثم سارت الأمور على ما يرام لشهرين ، إلى أن لاحظت تغيراً في لون الأظافر ، انتابني خوف أقل من المرات السابقة ، اتصلت على المستشفى وحددت موعداً مع الطبيب ، ثم مارست البرنامج لثلاثة أيام ، ولم أحضر الموعد بحمدالله ، لزوال التفكير بالأعراض قبل موعد الزيارة.

والآن مرت علي سنتين بدون أي زيارة لأي طبيب بحمدالله عز وجل ، أشعر أن صحتي عادت كما كانت ، وزني عاد كما كان في السابق ، علاقتي مع عائلتي رائعة . فالفضل لله عز وجل أولاً وآخراً ثم للطبيب الذي لم يجاري وسواسي.

قررت أن أشارك تجربتي لعل الله يكتب الشفاء العاجل لمن يعاني من مشكلة وسواس الايدز.  

خاص لموقع طب وحياة – حقوق النسخ محفوظة

قم بكتابة اول تعليق

شارك برأيك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.